الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

56

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

غير المعين يساوي خطاب الجمع . وخص هذه الحالة بالبيان لأنها مظنة انتفاء الإحسان بما يلقى الولد من أبيه وأمّه من مشقة القيام بشئونهما ومن سوء الخلق منهما . ووجه تعدد فاعل يَبْلُغَنَّ مظهرا دون جعله بضمير التثنية بأن يقال إما يبلغانّ عندك الكبر ، الاهتمام بتخصيص كل حالة من أحوال الوالدين بالذكر ، ولم يستغن بإحدى الحالتين عن الأخرى لأن لكل حالة بواعث على التفريط في واجب الإحسان إليهما ، فقد تكون حالة اجتماعهما عند الابن تستوجب الاحتمال منهما لأجل مراعاة أحدهما الذي الابن أشد حبّا له دون ما لو كان أحدهما منفردا عنده بدون الآخر الذي ميله إليه أشد ، فالاحتياج إلى ذكر أحدهما في هذه الصورة للتنبيه على وجوب المحافظة على الإحسان له . وقد تكون حالة انفراد أحد الأبوين عند الابن أخف كلفة عليه من حالة اجتماعهما ، فالاحتياج إلى أَوْ كِلاهُما في هذه الصورة للتحذير من اعتذار الابن لنفسه عن التقصير بأن حالة اجتماع الأبوين أحرج عليه ، فلأجل ذلك ذكرت الحالتان وأجري الحكم عليهما على السواء ، فكانت جملة فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ بتمامها جوابا ل ( إما ) . وأكد فعل الشرط بنون التوكيد لتحقيق الربط بين مضمون الجواب ومضمون الشرط في الوجود . وقرأ الجمهور إِمَّا يَبْلُغَنَّ على أن أَحَدُهُما فاعل يَبْلُغَنَّ فلا تلحق الفعل علامة لأنّ فاعله اسم ظاهر . وقرأ حمزة والكسائي وخلف يبلغان بألف التثنية ونون مشددة والضمير فاعل عائد إلى الوالدين في قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، فيكون أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما بدلا من ألف المثنى تنبيها على أنه ليس الحكم لاجتماعهما فقط بل هو للحالتين على التوزيع . والخطاب ب عِنْدَكَ لكل من يصلح لسماع الكلام فيعم كل مخاطب بقرينة سبق قوله : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ، وقوله اللاحق رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ [ الإسراء : 25 ] . أُفٍّ اسم فعل مضارع معناه أتضخر . وفيه لغات كثيرة أشهرها كلها ضم الهمزة وتشديد الفاء ، والخلاف في حركة الفاء ، فقرأ نافع ، وأبو جعفر ، وحفص عن عاصم - بكسر الفاء منونة - . وقرأ ابن كثير ، وابن عامر ، ويعقوب - بفتح الفاء غير منونة - . وقرأ الباقون - بكسر الفاء غير منونة - .